مركز إسماعيل حسانين العمدةالثقافة · النشر · الإعلام · التدريب
شعار مركز إسماعيل حسانين العمدة
مركز إسماعيل حسانين العمدةمن أجل ثقافة واعية ومعرفة مفيدة
مركز إسماعيل حسانين العمدة

رؤية نقدية في كتاب «المعلِّم القائد»

مركز إسماعيل حسانين العمدة

صورة المشاركة

‫الأديب والناقد حسن حسانين‬‎ · تربية وتعليم

رؤية نقدية
في كتاب «المعلِّم القائد»
«رحلة وعي من المهنة إلى صناعة الأثر»
تأليف: د. قحطان سويدان المعولي
بقلم: الناقد والأديب/ حسن حسانين العمدة
من إصدارات التجمع العربي للنشر والتوزيع
ثمة فرق بين كتاب يتحدث عن التعليم من الخارج، وكتاب يكتب من داخل التجربة نفسها؛ وكتاب «المعلِّم القائد: رحلة وعي من المهنة إلى صناعة الأثر» ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني. فالكتاب مصنف تربويًا، وتدور بنيته حول تسعة فصول تبدأ من صعوبة البداية، ثم اختبار الصف، واهتزاز القناعة، والتحول من معلم إلى قائد، وإدارة الذات تحت الضغط، والقيادة داخل الصف، ثم صناعة الأثر وإدراكه وامتداده في حياة الآخرين.
والفكرة المركزية التي تنتظم العمل كله هي أن التعليم ليس مجرد أداء وظيفي، بل رحلة وعي تنتهي إلى صناعة أثر إنساني وتربوي يتجاوز حدود الحصة. وهذا المعنى يعلنه الكتاب منذ مقدمته، حين يضع المعلم أمام سؤال: كيف يواكب عالمًا يتغير بسرعة دون أن يفقد رسالته؟ ثم يحدد الإجابة المقترحة في تغيير طريقة رؤية المعلم لنفسه قبل أن يغيّر نظرته إلى طلابه.
من تجربة شخصية إلى قضية تربوية
من أبرز عناصر قوة الكتاب أنه لا يبدأ من تنظير تربوي مجرد، وإنما من تجربة مهنية شخصية. فالمؤلف يستعيد بدايته في التعليم بقرية جبلية تبعد عن منزله أكثر من 1200 كيلومتر، ويصف اختلاف البيئة واللهجة وتعدد المناهج والصفوف، حتى وجد نفسه أمام ستة مناهج لمراحل مختلفة رغم تخصصه في تربية الكيمياء.
هذه التفاصيل ليست مجرد سيرة شخصية؛ فالمؤلف يستخدمها لتأسيس فكرته الأولى: أن التحدي الحقيقي لا يكمن دائمًا في الظروف الخارجية، بل في كيفية رؤية الإنسان لنفسه داخل هذه الظروف. ومن هنا يبدأ انتقال الكتاب من السيرة إلى التأمل التربوي.
ويحسب للمؤلف أنه لا يرسم صورة مثالية لبداياته؛ بل يعترف بأنه بدأ مرحلة «النجاة» قبل مرحلة «الإبداع»، وهي صراحة تمنح التجربة مصداقيتها الإنسانية.
الاختبار الحقيقي يبدأ داخل الصف
يصل الكتاب إلى واحدة من أهم نقاطه عندما يقرر بوضوح: «إتقان المادة لا يعني القدرة على إدارة الصف». فالمعرفة العلمية، في تصور المؤلف، شرط مهم لكنها ليست وحدها كافية؛ لأن الصف فضاء تفاعلي يحتاج إلى الحضور، وقراءة الطلاب، ومراقبة الإيقاع، والاستجابة للموقف.
وهنا ينتقل الكتاب من مفهوم «المعلم الذي يشرح» إلى مفهوم «المعلم الذي يقرأ».
فالطالب الصامت، والمتشتت، والمقاطع، ونظرة العين، وحركة الصف، كلها تصبح رسائل ينبغي على المعلم القائد أن يلتقطها. ويقدم الكتاب فرقًا واضحًا بين معلم ينشغل بالمحتوى ومعلم ينشغل بالإنسان الموجود أمامه.
وهذه، من الناحية التربوية، إحدى أكثر أفكار الكتاب وضوحًا واتساقًا: الصف ليس مكانًا لإلقاء المعرفة فحسب، وإنما مساحة تفاعل تحتاج إلى قيادة واعية.
الأزمة الحقيقية: اهتزاز المعنى
لا يكتفي المؤلف بمشكلات إدارة الصف، بل ينتقل إلى صراع أكثر عمقًا: صراع المعلم مع قناعته المهنية.
يصف الكتاب تأثير المقارنات الاجتماعية، وحديث الآخرين عن الرواتب والوظائف البديلة، بل واستدعاء المؤلف لتجربة كان يستطيع فيها الالتحاق بسلاح الجو، ثم السؤال الذي بدأ يضغط عليه: هل اختياره للتعليم كان صائبًا؟
وهنا يظهر مفهوم محوري في العمل، هو الفرق بين «الوظيفة» و«الرسالة». فالوظيفة، في تصور الكتاب، تُقاس بالمقابل والراحة والنتيجة المباشرة، بينما ينظر صاحب الرسالة إلى الأثر الذي يتجاوز اللحظة.
ومن اللافت أن التحول في الكتاب لا يحدث لأن البيئة تغيرت؛ فالراتب والضغوط والصفوف بقيت كما هي، وإنما تغيرت زاوية النظر إلى المهنة.
من رد الفعل إلى القيادة
بعد تجاوز الصراع الداخلي، يبدأ التحول الحقيقي في مفهوم القيادة. فالمؤلف يصف الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الواعي: يلاحظ قبل أن يتصرف، ويفهم قبل أن يحكم، ويختار استجابته بدل الاندفاع.
وهنا يقدم الكتاب مفهومًا مهمًا يمكن اعتباره من مفاتيحه الأساسية: القيادة تبدأ من إدارة الذات قبل إدارة الآخرين.
وتزداد هذه الفكرة وضوحًا في فصل «إدارة الذات تحت الضغط»، حيث يميز المؤلف بين ثلاثة مستويات: الحدث، ثم تفسير الحدث، ثم الاستجابة له. ويجعل المسافة بين الحدث والاستجابة مساحة للوعي والاختيار والقيادة الذاتية.
وهذا الجزء من الكتاب يحمل قيمة تطبيقية جيدة، لأنه يحول فكرة «التحكم في النفس» من شعار عام إلى عملية ذهنية تبدأ بالتوقف وإعادة تفسير الموقف قبل اتخاذ رد الفعل.
من السيطرة إلى التأثير
يبلغ الكتاب ذروته الفكرية في مفهوم القيادة داخل الصف.
فالمعلم الذي يدير الدرس يركز على الشرح والخطة والمحتوى، أما المعلم القائد فيركز على الطالب، ويقرأ الموقف، ويتفاعل مع اللحظة.
ثم يضع المؤلف مقابلة صريحة بين السيطرة والتأثير: السيطرة مؤقتة وتقوم على السلطة وتنتهي بخروج المعلم من الصف، بينما التأثير يقوم على الثقة وقد يستمر بعد غيابه.
ومن هنا يتحول الطالب في فلسفة الكتاب من «مشكلة تحتاج إلى ضبط» إلى إنسان يحتاج إلى فهم؛ فيسأل المعلم: لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ ماذا يحدث داخله؟ وما الذي يحتاج إليه فعلًا؟
وهذا التحول في النظرة هو أحد أكثر الجوانب الإنسانية نضجًا في الكتاب.
القيادة في التفاصيل الصغيرة
لا يحصر المؤلف القيادة في القرارات الكبيرة، بل يردها إلى التفاصيل اليومية: طريقة الرد على سؤال، التعامل مع خطأ، نبرة الصوت، النظرة، والقدرة على بناء الثقة. فالكتاب يرى أن كل تفصيلة صغيرة يمكن أن تبني العلاقة أو تهدمها.
وتتسع الفكرة حين يؤكد المؤلف أن القيادة ليست مهارة تقنية فقط، وإنما وعي يُمارَس يوميًا، وأن نقطة البداية ليست أداة أو خطة، بل طريقة حضور المعلم داخل الصف.
الأثر: ما بعد الحصة
إذا كان «القيادة» هي قلب القسم الأوسط من الكتاب، فإن «الأثر» هو غايته النهائية.
يسأل المؤلف سؤالًا يبدو بسيطًا لكنه يحمل جوهر المشروع كله: هل ينتهي دور المعلم بانتهاء الحصة؟
ومن هنا يميز بين الأداء، الذي يرتبط باللحظة ويقاس بالنتيجة وينتهي بانتهاء المهمة، وبين الأثر الذي يمتد عبر الزمن ويظهر في السلوك ويستمر بعد غياب المعلم.
والكتاب لا يجعل الأثر مرتبطًا بالإنجازات الضخمة فقط، بل بالكلمة، والموقف، والإنصات، والابتسامة، والتشجيع، والعدل.
وهنا يصبح التعليم في فلسفة المؤلف علاقة إنسانية قبل أن يكون عملية نقل معلومات.
لحظة اكتشاف الأثر
من أكثر أجزاء الكتاب تأثيرًا سرديًا قصة الطالب الذي أخبر المؤلف بأنه أحب الكيمياء بسببه، وأن هدوءه وأسلوبه غيرا نظرته إلى الدراسة والحياة ومنحاه هدفًا ومعنى. ويقدم المؤلف هذه اللحظة لا بوصفها انتصارًا شخصيًا، بل بوصفها اكتشافًا متأخرًا لحقيقة كان يمارسها دون أن يراها.
ثم يتطور المثال بعد سنوات، عندما يعود طالب سابق ويدعو معلمه إلى العشاء ويقدم له أول عقد عمل له، موضحًا أن وقفة المعلم معه في مرحلة سابقة كانت جزءًا من الطريق الذي أوصله إلى تلك اللحظة.
هذه الحكايات تمنح الكتاب بعده الإنساني، لكنها في الوقت نفسه تكشف طبيعة العمل: إنه كتاب تجربة وتأمل وشهادة مهنية أكثر منه دراسة أكاديمية تجريبية.
الملاحظات النقدية والمنهجية
وهنا تظهر أهم مساحة يمكن أن يتطور فيها المشروع.
أولًا، يعتمد الكتاب بدرجة كبيرة على التجربة الذاتية والسرد الشخصي. وهذه ميزة أدبية وتربوية لأنها تمنح النص صدقًا وقربًا من القارئ، لكنها تجعل بعض النتائج التي يطرحها المؤلف بحاجة إلى مزيد من التمييز بين ما هو تجربة شخصية وما يمكن تعميمه على المعلمين والطلاب في بيئات تعليمية مختلفة.
ثانيًا، بعض العبارات الواردة في الكتاب تأتي بصيغة تقريرية واسعة، مثل القول إن بعض المواقف أو الكلمات قد تغير حياة الطالب، أو أن الأثر العميق يظهر بعد سنوات. وهي أفكار منسجمة مع تجربة المؤلف، لكن تحويلها إلى نتائج تربوية عامة يحتاج إلى دعم بدراسات ميدانية أو أدلة تربوية أوسع، إذا أريد نقل المشروع من الكتابة التأملية إلى الإطار البحثي.
ثالثًا، يميل الكتاب إلى ربط التحول المهني بدرجة كبيرة بالوعي الفردي للمعلم. وهذه زاوية مهمة، لكنها لا تلغي أثر البنية المؤسسية والمناهج والإدارة وأعداد الطلاب والموارد والسياسات التعليمية. والكتاب نفسه يذكر في بدايته ضغط النتائج وتعقيدات العمل وتغير العالم، لكن مساحة هذه العوامل النظامية تبدو أقل من مساحة المسؤولية الفردية.
لذلك سيكون من المفيد في تطوير هذا المشروع مستقبلًا أن يتسع الحوار من «كيف يغير المعلم نفسه؟» إلى «كيف تتكامل مسؤولية المعلم مع مسؤولية المدرسة والأسرة والمؤسسة التعليمية في صناعة الأثر؟».
الخلاصة النقدية
«المعلِّم القائد» كتاب تربوي يقوم على تجربة مهنية صادقة، لكنه يتجاوز السيرة الشخصية إلى طرح رؤية متكاملة لمسار المعلم: من الصدمة الأولى، إلى فهم الصف، إلى مراجعة الذات، إلى إدارة الضغط، إلى القيادة، ثم إلى التأثير، وأخيرًا إلى صناعة الأثر الممتد.
وتكمن أهميته في أنه يعيد تعريف المعلم بعيدًا عن صورة ناقل المعلومات؛ فالمعلم في هذا الكتاب حضور، وعلاقة، ووعي، وتأثير.
كما أن تسلسل الفصول يمنح المشروع خطًا فكريًا واضحًا: البداية الصعبة في الفصل الأول، ثم اختبار الصف، ثم اهتزاز القناعة، ثم التحول إلى القيادة، ثم إدارة الذات، ثم القيادة الصفية، ثم الأثر وإدراكه وامتداده.
أما القيمة الأعمق في الكتاب فتتمثل في نقله السؤال من:
«كم درسًا أنجزت؟»
إلى:
«كم إنسانًا ساهمت في بنائه؟»
وهذا التحول هو قلب فلسفة الكتاب كلها؛ فالمؤلف يرى أن التعليم الحقيقي لا يُختزل في الدرجات وإنهاء المنهج، وإنما في فكرة تبقى، وقيمة تتشكل، وقرار يتغير، وكلمة تظل داخل ذاكرة الطالب.
ومع ما يحتاجه المشروع من توسيع للجانب البحثي والتوثيقي، تظل قوته الأساسية في إنسانيته وصدقه وقدرته على إعادة النظر في مهنة التعليم باعتبارها علاقة طويلة الأثر، لا مجرد ساعات يقضيها المعلم داخل الفصل.
وربما يكون السؤال الذي يختصر تجربة الكتاب كلها:
حين يرن جرس نهاية الحصة ويغادر الطلاب، هل ينتهي عمل المعلم فعلًا… أم أن بعض الدروس تبدأ آثارها الحقيقية بعد أن ينتهي الدرس؟
الناقد والأديب/ حسن حسانين العمدة
التجمع العربي للنشر والتوزيع

★ التقييم والمراجعات

لم تُنشر تقييمات معتمدة بعد.

سجّل الدخول لإضافة مراجعة وتقييم.

يمكن مشاركة رابط الصفحة، وحفظ الصور العامة من معرض الصور.

عرض الملف المرفق

كيفية الطلب والدفع والشحن · الخصوصية · المساعدة والتواصل

المؤلفون والكتّاب